التبويبات الأساسية

تثير الزيارة البابوية المرتقبة نقاشاً واسعاً في لبنان حول طبيعتها الحقيقية: هل تحمل رسالة سلام لكل اللبنانيين، أم تأتي في سياق إقليمي ضاغط يعكس قلق الفاتيكان على الوجود المسيحي في الشرق، بما يجعلها أقرب إلى خطوة لإعادة التموضع وشدّ العصب المسيحي؟

سياق إقليمي وقلق مسيحي
التحولات التي تعصف بالشرق الأوسط، وتراجع الحضور المسيحي في دوله، تجعل زيارة البابا محمّلة بخلفيات تتجاوز البعد الروحي. فالبعض يرى أنها تأتي لتثبيت الدور المسيحي في لبنان والمنطقة، وسط مخاوف من هجرة واسعة وتراجع سياسي وديموغرافي.

اختيار الأماكن: رسائل تتجاوز البروتوكول
يُعد اختيار محطات الزيارة مفتاحاً لفهم رسائلها.
زيارة نصب شهداء المرفأ تعبّر عن تضامن مع ضحايا الانفجار وتذكير بأهمية العدالة، لكنها تطرح سؤال الانتقائية في بلد قدّم آلاف الشهداء عبر الحروب والانفجارات والانهيار. التركيز على جرح واحد يُقرأ لدى البعض كإعطاء ثقل لملف معيّن، بينما جراح أخرى لا تقل عمقاً تُترك خارج الضوء.

غياب الجنوب: استبعاد جغرافيا تدفع ثمن السيادة
الغياب الكامل للجنوب عن برنامج الزيارة يثير أسئلة أكبر. فالجنوب يمثل خط المواجهة مع إسرائيل، ويتعرض لقصف وانتهاكات يومية تحصد شهداء وتدمّر بيوتاً وقرى.
إنه رمز للسيادة والصمود، ولشراكة اللبنانيين جميعاً في دفع أثمان الحرب والاحتلال.
استبعاده من زيارة تحمل شعار “السلام” يطرح تساؤلاً حول تجاهل منطقة تعيش الخطر يومياً، وتحتاج أكثر من غيرها إلى كلمة دعم معنوي وروحي.

من زيارة سلام… إلى قراءات اصطفافية
حين تُختار أماكن محددة وتُستبعد أخرى مركزية، يصبح خطاب السلام عرضة لتفسيرات سياسية. في بلد شديد الحساسية كاللبنان، قد يُفهم التركيز على جرح معيّن وتجاهل جرح آخر كرسالة موجَّهَة لفئة دون أخرى، ما يهدّد الطابع الوطني الشامل الذي يُفترض أن تحمله الزيارة.

فرصة تحتاج إلى توازن رمزي
لا تزال الزيارة فرصة لتعزيز الحوار والعيش المشترك، لكنها تحتاج إلى توازن في الرسائل ورمزية تشمل كل الجغرافيا اللبنانية. فالألم في لبنان واحد، من بيروت إلى الجنوب والبقاع والشمال، واحتضان هذه الجراح بالتساوي ضروري ليشعر اللبنانيون بأن الزيارة فعلاً “لكل لبنان”.

خلاصة
تقف الزيارة على حدٍّ دقيق بين النوايا الروحية وتوازنات السياسة.
ولكي تُسجَّل كزيارة سلام حقيقية، ينبغي أن تُقرأ كرسالة تشمل كل اللبنانيين وكل مناطقهم، لا بعضهم دون بعض.
فلبنان وطن واحد، بجراحٍ واحدة، ينتظر من يراه كاملاً.

صورة editor13

editor13