التبويبات الأساسية

في أمسية حملت الكثير من الرمزية والحنين، احتفل المؤلف الموسيقي والمايسترو جوزف مراد بمرور خمسين عامًا على انشاء الجوقات التي يرأسها، في رسيتال استثنائي أقيم في كنيسة سيّدة المعونات، زوق مكايل، برعاية البطريرك الماروني الكاردينال بشارة بطرس الراعي. ليلة لم تكن مجرد عرض موسيقي، بل رحلة روحيّة أعادت الحضور إلى جوهر التراتيل المارونية، وإلى بصمة مراد التي رافقت أجيالًا في الكنيسة والمسرح والتلفزيون.

قدّم مراد رسيتال "تراتيل القدّاس الماروني" من ألحانه، وبمشاركة ابنه المؤلف الموسيقي والموزّع ريمي مراد، الذي تولّى التوزيع الموسيقي. شاركت في الأمسية جوقة الأبرشيّة البطريركيّة المارونيّة، نيابة صربا و جوقة سيّدة المعونات، إلى جانب نخبة من الأصوات القديرة (مع حفظ الالقاب): رونزا، جورج وديع الصافي، جوزيف أبو ملهب، إيمان منصور. كما أدّت ملكة جمال لبنان السابقة، الممثلة والاعلامية رهف عبدالله قراءات روحية مستوحاة من كتاب مراد الروحاني بعنوان "أصَلّي "

وقد ضمّت الفرقة كورالاً متنوع الفئات من أطفال وسيدات ورجال، إضافةً إلى مجموعة من العازفين الذين أحاطوا بالمايسترو بصوت موسيقي متناغم.
إلّا أن أكثر ما لفت الأنظار كان الانسجام شبه الفطري بين جوزف ونجله ريمي، انسجام بدا واضحًا في الإيقاع، النظرات، وحتى حركات الجسد. فريمي، الذي نشأ في بيت يتنفس الموسيقى، حوّل الموهبة التي ورثها إلى اختصاص ثم احتراف وخبرة ، ليعيش تجربة مميزة إلى جانب والده في هذه المحطة التاريخية من مسيرته.

يعرف كل من تعامل مع جوزف مراد أن احترافه لا يلغي أبداً وفاءه. فهو متمسك بكل شخص يراه "نظيف الروح والأخلاق"، ويواصل التعاون مع الوجوه التي رافقته بمحبة وثقة.
هذا الوفاء حضر بقوة على المسرح:

لرونزا، التي وصفها مراد في ختام الأمسية بـ"الأيقونة" وبالمثال الفني والأخلاقي الذي يقتدى به.

للوديع الصافي، الذي كان قد اتفق معه على عمل لم يكتمل، فسلّمه الليلة لابنه الفنان جورج الصافي، قائلاً: "يلي خلّف ما مات".

ولرهف عبدالله، التي رغم انتمائها الديني المختلف، بشكل خاص لكونها مسلمة شيعية، لبّت دعوة مراد الوجدانية لقراءة نصوص كتابه الروحاني المسيحي. وعندما سألناها عن مشاركتها قالت: "جيت لأن في محبة بيني وبين المايسترو… والدين محبة. وقرأت كل كلمة بكل محبة."

ضمّت الأمسية وجوهًا إعلامية وفنية وسياسية ودينية، إلى جانب أهالي المنطقة ومحبي المايسترو. وقد بدا واضحًا مدى تمسّك الجمهور بتوثيق كل لحظة من خلال هواتفهم، ليس بدافع الاستعراض بل بدافع الامتنان… وكأن أحدًا لا يريد أن تفلت منه أي ثانية من هذا التكريم المستحق.

هذا التكريم اختصر علاقة عمر حيث اختتمت الأمسية بتكريم جوزف مراد باسم البطريرك الراعي، وهو تكريم يحمل بُعدًا شخصيًا، إذ تجمع الرجلين علاقة مودة قديمة تعود إلى أيام إدارة الراعي لمدرسة سيدة اللويزة، التي كان يتعلّم فيها مراد. وقد اتفقا منذ سنوات على أن يحتفلا معًا بخمسينيته الفنية، "إن أعطاهما الرب العمر"… وكان لهما ما أرادا.

ورغم أنّ مراد وضع الموسيقى التصويرية لأكثر من 21 مسلسلًا لبنانيًا، وشارك في أعمال سينمائية ووثائقيات خارج لبنان، إلا أنّ قلبه بقي منحازًا للأعمال الدينية. يقول: "قدّمت مؤلّفات دينية منذ أربعين عامًا، واليوم أعود لأقدّمها بنَفَس جديد."
ويشير إلى مشكلة يعاني منها كثير من الموسيقيين: ضياع الحقوق في زمن السوشيال ميديا، إذ تُعاد تسجيل ألحانه وينسبها البعض لأنفسهم. لذلك اختار أن يسلّط الضوء على أعماله المسجلة في جمعية المؤلفين والملحنين العالمية، ومنها: "حياتي هي المسيح" و "يا مانح الحب" التي كتب نصّها بنفسه.
خمسون عامًا مرّت، لكن شغف جوزف مراد لم يخفت، وتجربته لم تذب في كثرة الإنتاج. بالعكس، تبدو اليوم أكثر رسوخًا، وأكثر التصاقًا بالروح.
أعماله التي "خلف الكواليس" لاقت تقدير أهل الفن والمتابعين، لكن ما يميّزها حقًا هو هذا البعد الإنساني العميق الذي يرافق كل لحن وقراءة وتعاون.

مراد لا يحتفل بماضيه فحسب، بل يواصل كتابة فصول جديدة في المكتبة الموسيقية اللبنانية، بروحٍ تزداد شبابًا كلما عزفت… وكلما صلّت... الف مبروك.

صورة editor13

editor13