في ظلّ الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، تبرز بلدة العدوسية، كسائر بلدات الجنوب اللبناني، نموذجًا للصمود والتشبّث بالأرض رغم ضعف الإمكانيات وانعدام الدعم الرسمي.
وفي حديث خاص لـ"برايفت ماغازين"، أوضح رئيس بلدية العدوسية، السيّد عبد المسيح الطيّار، أنّ البلدة لا تتلقّى أي دعم مادي فعلي من الدولة، مشيرًا إلى أنّ المبالغ التي تصل لا تكفي حتى لتغطية راتب الموظفة الوحيدة في البلدية. أما في ما يتعلّق بملفّي النفايات والمياه، فأكّد أنّها من مسؤولية الدولة، التي تعاني بدورها من شلل شبه تام في مواردها ونحن نتحمل تكلفة هذه الأمور..
ورغم هذا الواقع الصعب، استطاعت العدوسية أن تؤمّن جزءًا من حاجاتها من خلال التعاون مع منظمات غير حكومية، محلية ودولية، أبرزها كاريتاس وعدد من جمعيات الـNGOs، التي قدّمت مساعدات في مجالات متعددة، كترميم المنازل المتضررة وتقديم دعم مالي مباشر للأهالي وثياب وحصص غذائية . كما كان لـمطرانية صور المارونية دورٌ أساسي في دعم صمود أبناء البلدة.
وحول الاعتداءات الأخيرة، كشف الطيّار أنّ العدوسية تعرّضت إلى 46 غارة جوية خلال الحرب، ما أدى إلى دمار واسع ونزوح جماعي للسكان. إلّا أنّ معظمهم عادوا بعد انتهاء العمليات العسكرية، بسبب ارتباطهم بأرضهم ومصالحهم، وعدم قدرتهم على تحمّل أعباء الحياة في العاصمة بيروت.
كم هي مساحة العدوسية؟
تقع بلدة العدوسية على الساحل اللبناني، وتحديداً على بُعد نحو 54 كيلومتراً جنوب العاصمة بيروت. تبلغ مساحتها حوالى 4.20 كيلومتر مربّع، وتُعرف ببساتينها وموقعها الجغرافي المميّز. أما عدد سكانها، فيُقدَّر بنحو 1200 نسمة. وتُعدّ عائلتا "اللبس" و"التيار" من أكبر العائلات في البلدة، إلى جانب عائلات أخرى كمنصور، بو عيسى، شماعي، عيد وغيرهم.
تواجدكم ضمن محيط متنوع طائفياً، كيف يتم التعاطي معكم كبلدة مسيحية؟
نحن نعيش في حالة انسجام ووئام كامل مع القرى المحيطة، ولم نشعر يوماً بأي تمييز أو تفرقة. والدليل الأبرز على ذلك هو أنني، كمسيحي، أشغل منصب نائب رئيس اتحاد بلديات ساحل الزهراني، وكان هناك إصرار من دولة الرئيس نبيه بري على تمثيلنا ضمن الاتحاد. صحيح أننا من طائفة مختلفة، لكننا من بيئة واحدة، ونعيش الهموم نفسها. للبلدات المسيحية خصوصياتها، لكنها تبقى جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي الجنوبي.
في ظلّ الوضع الاستثنائي الذي تمرّون به، هل تمكّنتم من تحقيق أي إنماء في البلدة؟
بالرغم من التحديات الكبيرة والظروف الصعبة، نحن في العدوسية بلدية ناشطة، مكوّنة من تسعة أعضاء، وأنا أترأسها للدورة الثانية بعد أن تمّ انتخابي بالتزكية.
ورغم القصف والأزمة، تمكّنا من تنفيذ مشاريع إنمائية عدّة، أبرزها إنشاء شبكة صرف صحي، وتركيب منظومة طاقة شمسية تغطّي كافة منازل البلدة، وقد تمّ تنفيذ هذا المشروع عبر دعم الجمعيات وبرنامج الـUNDP. كما قمنا بتوسعة الطرقات، وإنشاء ملعب رياضي، بتمويل من وزارة الأشغال العامة والنقل، بدعم مباشر من دولة الرئيس نبيه بري.
كل هذه المشاريع كانت نتيجة جهود متواصلة وتعاون مع الجهات الداعمة، رغم كل الصعوبات.
كم هو صعب أن تكون رئيس بلدية في ظروف كهذه؟
لا شكّ أنّ الأمر ليس سهلاً، لكن منذ تسلّمي للمسؤولية، أعمل بضمير ومحبة لأهالي البلدة، وأسعى دومًا للحفاظ على المصلحة العامة. غير أنّه لا يمكن الاستجابة لكل طلب يُقدَّم، إذ لا بدّ من أن يكون لكل قرار سند قانوني واضح، لأنّنا نعمل ضمن إطار مؤسساتي يحكمه القانون.
في الوقت الراهن، أتابع ملفات دقيقة، أبرزها ملف التعديات، لا سيما التعديات البحرية. فمن المعالم التراثية التي نعتز بها في البلدة، معصرة نبيذ مطلّة على البحر، يعود تاريخها إلى أكثر من 2,600 عام، وكانت تصدّر نبيذها إلى الخارج. ورغم توقفها عن العمل، فهي ما زالت قائمة كمعلم أثري بارز. وقد أُزيل قسم كبير من التعديات، ويُستكمل العمل لإزالة ما تبقّى، مع التأكيد أنّ القانون يُطبّق على الجميع من دون استثناء.
كيف تصفون علاقتكم بالقوات الدولية، وما تقييمكم لعملها في المناطق؟
في الواقع، لم تكن لنا أي تعاملات مباشرة مع القوات الدولية، إذ إنّ بلدتنا ليست ضمن نطاق انتشارهم الأساسي في الجنوب. مرورهم يقتصر على عبورهم الأوتوستراد القريب منّا أثناء تنقلهم إلى بيروت، من دون أي حضور فعلي داخل البلدة.
مع ذلك، نرى أن وجودهم في المناطق التي ينتشرون فيها أمر إيجابي، فهم، في الحد الأدنى، يشكّلون شهوداً في حال وقوع أي طارئ. كما أنهم في القرى التي يتمركزون فيها، يقومون بأنشطة دائمة، ويقفون إلى جانب الأهالي، ما يجعل وجودهم داعماً على المستوى الإنساني واللوجستي.
ماذا تشتهر العدوسية ؟
تُعدّ ضيعتنا بلدة زراعية بامتياز، تنتشر فيها الأراضي الخصبة وتشتهر وتزدهر فيها زراعة الورد، التي تُعدّ من أبرز ميزاتها.؟
وتحظى المنطقة بأهمية أثرية خاصة، وقد قمت بتصنيفها كموقع أثري، مما يمنع أي تصرّف بها حفاظاً على قيمتها التاريخية. وقد بادرنا بطلب إقامة نقطة للجيش اللبناني قرب هذه الأرض بهدف حمايتها من التعديات وضمان الحفاظ على الإرث الثقافي للبلدة.
رغم هذه المقومات، لا يزال الأهالي يرزحون تحت قوانين زراعية قديمة بالية تعود إلى عصور "الفلاحين"، ما يعيق التطور والاستثمار الزراعي الحديث. ومع ذلك، تبقى البلدة مقصدًا سياحيًا محببًا بفضل طبيعتها وجمالها الريفي، على أمل أن تُحدّث القوانين لتواكب الحاجات الفعلية وتُطلق طاقات البلدة الكاملة.
مع اقتراب عيد الميلاد والأعياد المجيدة، ما هي أبرز التحضيرات التي تقومون بها في البلدة؟
بدأنا التحضيرات لإقامة Christmas Market
يليق بأجواء المناسبة. ونعمل كفريق عمل واحد يضمّ البلدية، نادي الشباب الرياضي " العدوسية " لجنة الوقف، الأخوية، فرسان العذراء، الطلائع، والمجلس الرعوي، على تنظيم سلسلة من النشاطات المتنوّعة.
هدفنا أن يشعر الأهالي بروح العيد وجماله، وأن نمنحهم فرصة لتغيير الأجواء والاستمتاع بموسم يحمل الفرح والرجاء، رغم الظروف الصعبة.
وفي ختام حديثه، شدّد رئيس بلدية العدوسية على ضرورة إيصال صوت البلديات إلى المعنيين، مطالبًا الدولة بتحويل مستحقات البلديات على أساس سعر الصرف المعتمد رسميًا (89,500 ليرة) بدلًا من الاستمرار باعتماد السعر القديم (1,500 ليرة)، قائلاً:
"الدولة عم تستوفي كل رسومها على دولار 89,500، ليش بدن يعطونا نحنا على 1,500؟ هيدا مش عدل."
كما دعا إلى اعتماد مبدأ العدالة في الجباية والإنفاق، مضيفًا:
"وقت بدكن تاخدوا من البلديات، خدوا من البلديات اللي عم تخدموها. ليش كل البلديات لازم يتحمّلوا أعباء متساوية؟
البلديات الكبيرة عم تستفيد من خدمات الدولة، من جمع نفايات وغيرها، ونحن عم نشتغل بجهد شخصي لنلمّ نفاياتنا ونشيلها. هيدا ظلم لازم يخلص."
وشدد في الختام على أن البلديات بحاجة لدعم فعلي، لا شعارات، لتستمر في خدمة المواطنين في ظل الظروف الصعبة.

















































