التبويبات الأساسية

بقلم الوزير القاضي محمد المرتضى
عن الصوم، والوطن، والعيش الواحد....

يحلّ شهر رمضان هذا العام فيما الوجع لم يهدأ بعد، لكنّه يعود كعادته مساحةً مفتوحة للأمل، لمن يعرف أنّ الرحمة أقوى من القسوة، وأنّ الرجاء لا تُطفئه العواصف مهما اشتدّت. في هذا الزمن، يصبح الصوم أكثر من امتناعٍ عن الطعام؛ إنّه ارتقاءٌ في المعنى، واختبارٌ للقدرة على الصمود من دون التخلّي عن الإنسانية أو البوصلة الأخلاقية.
رمضان هو صومٌ عن القسوة قبل كلّ شيء، وصومٌ عن اليأس، ومناسبة لإعادة تهذيب اللغة كي لا تتحوّل أداة جرحٍ في وطنٍ أنهكته الانقسامات. في لبنان، لا تُنقذ المجتمعات بالشعارات، بل بالرحمة المتبادلة، وبالتكافل الصامت، وبالإصرار على تحويل الألم إلى رجاء، والجراح إلى وعي، والمحنة إلى فرصة نهوض.
وتتضاعف رمزية هذا الشهر حين يتزامن صوم المسلمين مع زمن الصوم لدى الإخوة المسيحيّين، في مشهدٍ روحيّ يعكس جوهر العيش الواحد. اختلاف الطقوس هنا لا يُباعد، بل يلتقي عند هدفٍ واحد: تنقية النفس، واستعادة المعنى، وتجديد الرجاء. في هذا التلاقي، يتجلّى الوطن كخبرة حياة لا كشعار، وكقناعة راسخة بأنّ لبنان لا يقوم إلا بتقاطع القيم، لا بتراكم القواطع.
وفي الجنوب اللبناني، حيث لا تزال الاعتداءات الإسرائيلية تثقل الأرض والناس، يكتب الصامدون هناك يومياً درساً في الكرامة الهادئة. لا استعراض في صبرهم، بل ثباتٌ يعرف لماذا يتمسّك بالأرض وبالحقّ وبفكرة الوطن. صمودهم ليس دفاعاً عن جغرافيا فحسب، بل عن معنى لبنان ذاته: وطن الإرادة الحرّة والكرامة التي لا تُقايَض.
هذا الزمن يذكّرنا بأنّ الأوطان لا تُحمى بالكلام وحده، بل بتضامن ناسها، وبقدرتهم على تحويل القلق المشترك إلى قوة أخلاقية جامعة. حين يتقاسم الناس الخبز كما يتقاسمون الخوف والرجاء، يصبح الوطن أصلب في وجه العواصف، وأقرب إلى عبور المحن نحو أفقٍ أهدأ وأكثر عدلاً.
إنّ استعادة دفء القلوب في هذا الشهر ليست ترفاً روحياً، بل ضرورة إيمانية ووطنية وأخلاقية. فالمجتمع الذي يفقد رحمته يفقد مناعته، أمّا المجتمع الذي يصون تضامنه، فيملك القدرة على تحويل أقسى التحدّيات إلى لحظات وعي وصمود ونهوض. ومن هنا، يشكّل تزامن الصوم بين المسلمين والمسيحيّين فرصة متجدّدة لتثبيت قيم الرحمة، والتواضع، والمسؤولية المشتركة تجاه الإنسان والوطن.
شهر مبارك عليكم وعلى أحبّتكم.
نسأل الله أن يعيده بالسكينة والخير، وأن يجعل بركته حاضرة في البيوت والقلوب، وأن يحفظ لبنان وأهله جميعاً، ولا سيّما الجنوب الصابر، وأن يكون هذا الزمن نافذة رجاء حقيقي، تمهّد لمرحلة أقل وجعاً وأكثر طمأنينة.

صورة editor17

editor17