التبويبات الأساسية

كتبت غنى شريف 
في خضم التصعيد المتكرر حول احتمال توجيه ضربة لإيران، برزت مواقف عدد من الدول العربية المحاورة لطهران، تؤكد رفضها استخدام أراضيها أو أجوائها في أي عمل عسكري. غير أن هذه التصريحات، على أهميتها الإعلامية، تفتح باب التساؤل حول مدى التزامها العملي في حال تحوّل التوتر إلى مواجهة فعلية، خاصة في ظل ارتباطات أمنية وعسكرية قائمة مع الولايات المتحدة منذ عقود.

الحياد الذي تعلنه هذه الدول يبدو، في جوهره، محاولة لإدارة المخاطر لا لاتخاذ موقف حاسم. فهي تسعى إلى طمأنة إيران من جهة، وتفادي أي ردود فعل مباشرة منها، وفي الوقت نفسه تحافظ على خطوطها المفتوحة مع واشنطن، إدراكًا منها أن كلفة القطيعة مع الولايات المتحدة قد تكون أعلى من كلفة الغموض السياسي.

تحت الطاولة: السياسة الواقعية أقوى من الخطاب

التجارب الإقليمية السابقة تشير إلى أن الخطاب العلني لا يعكس دائمًا طبيعة القرار النهائي. ففي لحظات الأزمات الكبرى، تُدار التفاهمات الأمنية بعيدًا عن التصريحات، ويُعاد تفسير مفاهيم “الحياد” و”عدم المشاركة” بما يخدم المصالح الوطنية لكل دولة على حدة. من هنا، لا يمكن الجزم بأن رفض استخدام الأراضي سيبقى ثابتًا إذا ما تغيّرت موازين الضغط أو اتسعت رقعة الصراع.

هذا الواقع يضع إيران أمام معادلة معقدة: هل تراهن على التصريحات السياسية، أم تتعامل مع المنطقة باعتبارها مساحة مفتوحة لاحتمالات متعددة، مهما بلغت درجة التنسيق المعلن؟

محور المقاومة: دعم تلقائي أم حسابات مختلفة؟

في المقابل، يُطرح سؤال أكثر حساسية حول دور محور المقاومة في أي مواجهة محتملة. فبينما يُقدَّم هذا المحور كجبهة واحدة في مواجهة الضغوط الأميركية والإسرائيلية، إلا أن طبيعة الدعم، وتوقيته، وحدوده، تبقى مرتبطة بحسابات كل طرف وسياقه الداخلي والإقليمي.

هل سيكون الدعم مباشرًا ومفتوحًا، أم سيقتصر على مستويات مدروسة من الإسناد السياسي والأمني؟ وهل تتحمّل أطراف المحور كلفة مواجهة شاملة قد تتجاوز حدود إيران نفسها؟ هذه الأسئلة تزداد إلحاحًا مع إدراك الجميع أن أي تصعيد واسع لن يبقى محصورًا في جغرافيا واحدة.

لبنان والحدود الجنوبية: ساحة الرسائل مع إسرائيل

في حال اندلاع مواجهة عسكرية واسعة ضد إيران، يصعب فصل لبنان عن مسار الأحداث، خصوصًا عند الجبهة الجنوبية مع إسرائيل. فهذه الحدود لطالما شكّلت ساحة تبادل رسائل إقليمية، ويُنظر إليها اليوم كأحد أكثر المسارات حساسية في أي تصعيد محتمل. وجود حزب الله، كجزء أساسي من محور المقاومة، يجعل الجنوب اللبناني حاضرًا تلقائيًا في حسابات الردع، سواء فُتح باب المواجهة أو استُخدم التهديد بها كورقة ضغط.

ورغم تمسّك الدولة اللبنانية بخطاب النأي بالنفس، إلا أن واقع التوازنات العسكرية على الأرض يفرض معادلة مختلفة، حيث يبقى قرار التصعيد أو ضبطه مرتبطًا بتطورات المشهد الإقليمي، لا بالداخل اللبناني وحده. من هنا، يبرز التخوف من أن يتحوّل لبنان إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين إيران وإسرائيل، في حال قررت أطراف الصراع توسيع دائرة الاشتباك دون الذهاب إلى حرب شاملة.

في هذا السياق، يُطرح سؤال جوهري حول طبيعة دور حزب الله: هل يبقى ضمن استراتيجية ردع محسوبة تقتصر على تثبيت قواعد الاشتباك، أم ينخرط في مواجهة أوسع إذا ما استُهدفت إيران بشكل مباشر؟ الإجابة لا ترتبط بلبنان وحده، بل بحدود التصعيد التي قد يفرضها ميزان الردع بين إسرائيل ومحور المقاومة، وبمدى استعداد الأطراف لتحمّل كلفة فتح جبهة جنوبية في لحظة إقليمية شديدة التعقيد.

الخلاصة
عند ساعة الصفر، ستتقدّم الوقائع على التصريحات، وتُختبر التحالفات بالفعل لا بالكلام، ويُعرف من يفتح الجبهات ومن يكتفي بمراقبة النار من بعيد.

صورة editor13

editor13